| معلومات خلفية عن القدس الشرقية الموقع والسكان: تقع القدس الشرقية على بعد يقارب 55 كيلومتراً من ساحل البحر المتوسط من جهة الشرق وعلى بعد 25 كيلومتراً من البحر الميت، على ارتفاع يقدر بحوالي 825-900 متراً عن سطح البحر. ويبلغ مجموع السكان الفلسطينيين في الجزء من القدس الذي ضمته إسرائيل (ق 1) قرابة 254.099 نسمة، فيما يقيم 148.801 نسمة في القرى والبلدات المحيطة بالمدينة في محافظة القدس (ق 2). ويبلغ مجموع السكان في منطقة ق 1 والقدس الغربية 680.400، فيما يبلغ معدل النمو السكاني 0.9% لليهود و3.0% للعرب (2002). نتيجة لهذا الاختلاف في معدل النمو السكاني بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ستتواصل نسبة السكان الفلسطينيين من مجموع سكان القدس في التنامي في المستقبل القريب. ويبلغ متوسط حجم الأسرة في القدس الشرقية حوالي 6 أفراد للأسرة الواحدة. أما معدل الخصوبة الكلي فيساوي 5.2 طفل لكل امرأة. وتشكل الفئة العمرية دون 15 سنة من العمر 42% من سكان القدس الشرقية، فيما تشكل الفئة العمرية فوق 65 سنة 3.3%. القانون الدولي والوضع القانوني للقدس الشرقية: قامت السلطات الإسرائيلية بعد حرب العام 1967 بضم أحادي الجانب للقدس الشرقية إلى إسرائيل وأتبعت ذلك بجملة من السياسات والخطط الهادفة إلى تغيير التركيبة العرقية للمدينة وطابعها المادي وحدودها ووضعها القانوني بغية تثبيت القدس كعاصمة موحدة لدولة إسرائيل. وتأتي كل هذه الخطوات في انتهاك مباشر لاتفاقية جنيف الرابعة. فالقدس الشرقية، وفق القانون الدولي، تمثل أرضاً احتلتها إسرائيل عام 1967 بواسطة الحرب. وبالتالي، فإسرائيل ملزمة بصيانة حقوق سكان هذه الأرض والامتناع عن محاولات تغيير مكانة هذه الأرض أو وضعها الديمغرافي. فالمادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أن يمنح سكان الأرض المحتلة الحقوق التي تحميها الاتفاقية بغض النظر عن التغييرات التي تفرضها سلطة الاحتلال، مثل ضم كل الأرض أو جزء منها. كما أن إسرائيل تنتهك المادة 49(1) لاتفاقية جنيف والمادة 49(6) التي تنص على حظر "النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم" وتحظر كذلك " ترحيل أو نقل جزء من سكانها المدنيين إلي الأراضي التي تحتلها". كما أن مواصلة الحكومة الإسرائيلية انتهاج سياسات تمييزية ضد السكان الفلسطينيين المحليين يعد انتهاكاً للعديد من قرارات الأمم المتحدة، وكذلك للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل. فضلاً عن ذلك، إن الانتهاك الثابت للمواد والمواثيق التنظيمية الواردة أعلاه يعتبر مناقضاً لإعلان المبادئ (أوسلو 1) الذي تم توقيعه عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. فالمبادئ الدولية التي تحكم الاتفاقيات الثنائية مثل إعلان المبادئ تنص بوضوح على أنه لا يجوز لأي من طرفي الاتفاقية أن يغير واقع القضايا موضوع الاتفاقية بشكل أحادي الجانب إلى حين التوصل إلى اتفاق على الوضع النهائي. الوسط الاجتماعي-الاقتصادي: اتسم الاحتلال الإسرائيلي للقدس في أعقاب حرب حزيران 1967 بتعزيز التواجد اليهودي في القدس الشرقية وتقييد إمكانات التنمية الفلسطينية سعياً لتحقيق هدف جغرافي سياسي يتمثل في "توحيد" القدس تحت الولاية الإسرائيلية المطلقة. وقد كان للسياسات المتبعة لهذه الغاية التأثيرات التالية: الاقتصاد: يقوم الاقتصاد في القدس الشرقية على قاعدة ضيقة، وتعتبر السياحة وتجارة المفرق والورش الصغيرة مصادر الدخل الرئيسية. لقد تراجع الوضع الاقتصادي بشكل كبير منذ العام 1999، وخاصة منذ انطلاقة الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر 2000. وأدى انخفاض أعداد السياح إلى الإضرار بالقطاعات المرتبطة بالسياحة. كما أن تشديد القيود على حركة السكان والبضائع بين القدس الشرقية والضفة الغربية قد ألحق أضراراً بقطاع الأعمال في القدس الشرقية، وخاصة تجارة المفرق والنقل. تعود أسباب ضعف القاعدة الاقتصادية والانخفاض الملموس في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات إلى القيود المفروضة على تطوير هذه القطاعات، مثل سلب الأراضي والسيطرة على مصادر المياه وتشديد إجراءات ترخيص الأعمال وارتفاع تكلفة الأرض ورأس المال. وقد أصبح العمل في إسرائيل المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لحوالي 45% من القوى العاملة من القدس الشرقية، مما جعله أحد الاعتبارات السياسية الرئيسية. فقد كان للاعتماد الزائد على سوق العمل الإسرائيلي تأثيرات تمثلت في رفع تكلفة العمل في قطاع الأعمال الفلسطيني في القدس الشرقية، وتقلص آفاق التوسع والتطوير في الاقتصاد وفي توفير فرص العمل. وبالنتيجة، أدى الوضع إلى هجرة العقول في أوساط قوى العمل المتعلمة والعمال المهرة. كما أن العجز في حسابات التجارة يعد مؤشراً آخر يعكس ضعف القاعدة الاقتصادية للتجارة والتنمية. فالفحص المتعمق لحسابات التجارة يكشف أن حجماً كبيراً من الواردات عبارة عن سلع استهلاكية قادمة من إسرائيل. ويعني ذلك حدوث تسرب بالغ للموارد إلى خارج الاقتصاد الفلسطيني وإلى إسرائيل تحديداً. وما يفاقم هذا الوضع سياسات الإغلاق التي تخلق حالة من العزل، مما يؤدي بمجموعه إلى إدامة تبعية القدس الشرقية اقتصادياً لإسرائيل. إن غياب المؤسسات العامة الوطنية من جهة وعدم وجود ميزانية صرف رسمية من الجهة الأخرى قد أديا إلى النقص في توفير السلع العامة والبنية التحتية. كما أن ممارسات التضييق على الترخيص ومصادرة الأراضي قد فاقمت وعمقت ضعف القاعدة الاقتصادية للقدس الشرقية. فالعديد من المؤسسات المدنية قد أجبرت على أن تغلق أبوابها، فيما تعاني غيرها من ثقل الضرائب الباهظة. إن كل المصارف والمؤسسات المالية العربية في القدس الشرقية قد أغلقت. وبما أن القدس الشرقية محرومة من سلطة مركزية وطنية ومن المؤسسات التي تتطلبها مثل هذه السلطة، يظل الفلسطينيون فيها إلى حد كبير تحت رحمة المصارف والسياسات الإسرائيلية. وهذه السياسات تخنق إمكانيات توليد الموارد ومراكمتها بغية استثمارها في القطاعات الإنتاجية. فضلاً عن ذلك، تعمل السياسات المالية الإسرائيلية على إفراغ القدس الشرقية من الموارد، مما يزيد من إعاقة التطوير والنمو. يتضح ذلك من خلال النظر إلى سياسات الإقراض والانخفاض الشديد في التناسب بين القرض والودائع في المصارف الإسرائيلية. ولتخطي هذه العقبة، قامت بعض المنشآت الاقتصادية في القدس الشرقية إما بالانتقال إلى المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية أو فتحت فروعاً لها هناك. فغالبية المنشآت الاقتصادية في القدس الشرقية لا تستطيع الوصول إلى رأس المال بسبب مجموعة من العوامل المركّبة من ضمنها ارتفاع تكلفة الاقتراض، ومتطلبات الكفالة، وضعف الإدارة المالية والشفافية. كما أن تهميش القطاع المالي غير الرسمي والنقص في المنتجات والخدمات المالية المتنوعة يعدان من العوامل المساهمة الإضافية التي تؤثر سلباً في نمو وتطور قطاع الأعمال في القدس الشرقية. السياحة: هناك إقرار عالمي بأن القدس الشرقية تمثل أحد أهم مراكز الاهتمام السياحي الديني في العالم. كما يوجد إقرار بأن قربها الجغرافي وتاريخها وثقافتها تعد من المقومات التي لا تقدر بثمن. وهذه المقومات، من الناحية الاقتصادية، تعطي القدس الشرقية إمكانات كامنة للنمو السياحي بشكل كبير وبالتالي لتوليد فرص العمل. إلا أن هذه الإمكانات لم يتم تحقيقها على أرض الواقع بسبب التقلبات السياسية والسياسات والقواعد والنظم الإسرائيلية التي تحكم نمو وتطور السياحة في القدس الشرقية. لم يصل الاستثمار في السياحة في العقود الثلاثة الأخيرة إلى مستويات عالية، ويتبدى ذلك في أنواع الفنادق وحجمها وجودة الخدمات التي تقدمها. فلم تحدث أية إضافات منذ العام 1967، سواءً ببناء فنادق جديدة أو زيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق القائمة، وكانت النتيجة العامة لذلك هي انخفاض الطاقة الاستيعابية. إن الوضع السياسي الراهن وسياسات الإغلاق الإسرائيلية والمخاطر المرتبطة بالتمويل من خلال الاقتراض تؤثر جميعها سلباً على الاستثمار وتضع عوائق جمة أمام هذه القطاعات الحيوية. فالفنادق تغلق أبوابها، ويتم تعليق العمل في بناء فنادق جديدة، وينشأ وضع خطير في ظل مخاطر قيام المصارف والمؤسسات المالية بالحجز على المنشآت الاقتصادية. إن بإمكان قطاع السياحة في القدس الشرقية أن يستفيد من تقوية العلاقات مع مكاتب تنظيم الرحلات السياحية الإقليمية والدولية لتقليل الاعتماد على إسرائيل من جهة، وللمحافظة على حد أدنى من السياح الوافدين عبر الأردن ومصر من الجهة الأخرى، مثلاً من خلال استعمال أسلوب عروض الرحلات السياحية المشتركة ضمن رزمة واحدة. ومع أن الآفاق في المنظور القريب لا تبدو مواتية، إلا أن مثل هذا الاستثمار والتطوير الاستراتيجي ينبغي أن يكون قائماً على أهداف تطويرية بعيدة المدى تنسجم مع المعايير والطاقات الإقليمية والدولية. تبعاً لذلك، قد يحتاج قطاع السياحة في القدس الشرقية إلى مساعدة مالية أو فنية لإجراء عملية إعادة تنظيم وللتعامل مع عدم الاستقرار في الأوضاع السياسية. الإسكان واستخدام الأراضي: تجري 80% من الاستثمارات في القدس الشرقية في قطاع الإسكان، مولدة حجماً ملموساً من فرص العمل. ومع ذلك، فإن جودة المخرجات الناتجة عن هذا القطاع تتهدد بفعل النظم والقيود المشددة في مجال التخطيط الهيكلي، إلى جانب مصادرة الأراضي. كما يتزايد تدهور الأوضاع المعيشية للسكان الفلسطينيين في القدس الشرقية بفعل النمو في عدد السكان الذين عليهم أن يعيشوا داخل حزام توسعي من المستعمرات اليهودية وأن يظلوا عرضة لارتفاع الأسعار بسبب محدودية المساحات المتاحة للسكن, تتحدد السياسات الإسرائيلية بخصوص الإسكان في القدس الشرقية بناءً على قرار استراتيجي بإبقاء نسبة السكان الفلسطينيين في المدينة بحدود 25% من مجموع السكان في القدس الشرقية والغربية معاً، دون أي اعتبار للنمو السكاني الطبيعي للفلسطينيين أو تزايد احتياجاتهم. ولتحقيق هذه الغاية، اتخذ الإسرائيليون عدة تدابير من ضمنها إعادة تصنيف الأراضي والمناطق الهيكلية. وتم فرز نسبة ضئيلة (9% من مجموع الأراضي) لأغراض إسكان الفلسطينيين. فضلاً عن ذلك، تفرض متطلبات وإجراءات ترخيص طويلة وبطيئة وباهظة التكلفة إلى حد كبير، مما يضعف التطور في مجال الإسكان. فالضرائب التي يتم فرضها تتضمن ستة أنواع هي: ضريبة الأملاك، وضريبة الشراء، وضريبة التحسين، وضريبة المبيعات، ورسوم التسجيل، وضريبة الأرنونا (ضريبة البلدية). كل ما سبق يمثل عوامل مساهمة في إبطاء أنشطة الإسكان في القدس الشرقية. ونتيجة لهذه الإجراءات القمعية، أصبح البناء بدون ترخيص شائعاً على الرغم من مخاطر التعرض لمخالفات باهظة وخطر الهدم. إن الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في القدس الشرقية تشهد تراجعاً متواصلاً إلى حد أن حوالي 20% من الأسر الفلسطينية تسكن في منازل مكتظة (3 أفراد أو أكثر لكل غرفة)، بالمقارنة مع 1.5 فرد فقط للغرفة لواحدة بالنسبة للسكان اليهود. ويزداد الوضع سوءاً في ظل غياب أية مشاريع إسكان للأزواج الشابة والمحتاجة، والنقص في توفر إمكانات الرهن العقاري. إن آفاق التطوير في البلدة القديمة محدودة جداً. فعدد الفلسطينيين الذين يسكنون داخل سور البلدة القديمة التاريخي يصل إلى حوالي 37.000 شخص، وهذا الرقم في ازدياد لأن الكثيرين يقومون بتغيير مكان سكناهم نتيجة لبناء جدار الفصل العنصري. لذا فمن المتوقع أن يستمر التراجع في الأوضاع المعيشية للسكان. ثمة مسألتان مهمتان أخريان تؤثران على التطور في مجال الإسكان في القدس الشرقية، هما: (أ) نوع الملكية، (ب) وسعر الأرض. فملكية الأراضي تواجه مشكلات متعددة وكثيراً ما تكون عرضة للاحتيال كون نسبة كبيرة من الأراضي مصنفة على أنها أرض مشاع، أي ملكية مشتركة بين مجموعة من الأشخاص. وحتى يتم تصحيح إجراءات تسجيل الأراضي وإثبات الملكية، ستظل تظهر مشكلات وعقبات أمام الطلب على الإسكان وتطوير هذا القطاع في القدس الشرقية. ونتيجة لمختلف الإجراءات القمعية وما يتبعها من اختلال في التوازنات، تضاعفت أسعار الأراضي بما يصل إلى 1500 مرة على مدى العقود الثلاثة الماضية، بمتوسط يساوي 40% في العام الواحد. التعليم: لا يقدم الجهاز التعليمي العام في القدس الشرقية أي نوع من التعليم قبل المدرسي. بل إن كل المبادرات قد أتت في الواقع من منظمات مجتمعية ومؤسسات أهلية. وبالتالي، فإن غالبية رياض الأطفال أقامها أفراد أو منظمات خيرية أو مجموعات نسوية أو منظمات أهلية أخرى. إن الخدمات التي تقدم في هذا القطاع محدودة جداً، ولا تكون موثوقة الجودة حيثما توفرت، إذ لا تتوفر إرشادات أو نظم واضحة لتنظيم عمل هذه المنظمات. أما التعليم المدرسي فيتصف بتعدد الأطراف المقدمة له دون وجود أية هيئة تنسيق رسمية أو جهة إشراف ذات رؤية فلسطينية. لقد أدى غياب سلطة وطنية إلى غياب التنسيق والتوازن في تطور هذا القطاع. وما فاقم الأمر عدم الاستقرار في وضع الفلسطينيين الذين يقيمون في المدينة وفي مستقبل المدينة ذاتها. فالسياسات والممارسات الإسرائيلية تحد من قدرة الأطفال الفلسطينيين في القدس على الوصول إلى تعليم مجاني وإلزامي. وهناك نقص واضح في الغرف الصفية، والتي تكون في الغالب مكتظة بالطلبة، مما يزيد من مصاعب الاستفادة من التعليم. فضلاً عن ذلك، تتأثر جودة التعليم الأساسي بشكل كبير بانخفاض موازنات المدارس ورواتب المعلمين والمعلمات، إلى جانب النقص في التدريب المهني للمدراء والطواقم التدريسية. إن هذه النواقص لا تساعد في معالجة الارتفاع في نسب تسرب الطلبة من المدارس في المراحل المدرسية الأعلى. يعاني التعليم المهني من التشتت. فثمة عدد من مراكز التدريب المهني والمدارس الثانوية والمراكز المجتمعية والمؤسسات الأهلية وكليات المجتمع التي تقدم تدريباً مهنياً منخفض الجودة ويعيب أنشطة هذه الأطراف الازدواجية وعدم التنسيق. كما أن هذه المؤسسات تعاني من نقص التمويل وضغوط التنافس من جانب الجامعات. كما يعاني التعليم العالي في الجامعات والكليات في القدس الشرقية من نقص التمويل اللازم لتغطية النفقات الجارية وأعمال البناء والتوسع. وبالتالي، فثمة تفاوت في درجة النمو بين التعليم المعروض والطلب الموجود في السوق. فضلاً عن ذلك، تواجه هذه المؤسسات التعليمية مشاكل بخصوص اعتماد برامجها من جانب النظام الإسرائيلي وضغوطاً متعلقة بقدرة الطلبة والطواقم التدريسية على الوصول إليها بسبب جدار الفصل العنصري والإغلاقات الأخرى، مما يزيد في شدة القيود المفروضة على فرص التعليم المتاحة للأجيال الشابة في المدينة. الشباب: يمثل الشباب أحد القطاعات المهمة بالنظر إلى أن 65% من الفلسطينيين في القدس هم دون سن 24 عاماً. وتعد أزمة الهوية إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه الشباب في القدس الشرقية، إذ يشعرون أنهم ليسوا متواجدين تماماً في إطار الحياة الفلسطينية ويعيشون تحت طائلة العقبات التي تفرض على جذورهم وانتمائهم الاجتماعي-الثقافي بسبب التواجد المكثف للاحتلال. يعيش الشباب والأطفال في بوتقة من التناقضات المتنوعة. فحالة العزلة التي تعيشها المدينة تسبب الارتباك والتهميش للشباب وتجعلهم تائهين بين إغراءات العيش على المخصصات الاجتماعية والعمل في المنشآت الإسرائيلية. ويولد الانعزال عن الضفة الغربية فيهم شعوراً بعدم الارتباط وعدم التمكين، مما يغذي الانقسامات المجتمعية ومشاعر عدم الأمان. فضلاً عن ذلك، يؤدي غياب الأنشطة الترفيهية إلى مشاعر الملل والفراغ. وفي المقابل، أصبحت اللامبالاة بين الشباب مصدراً للانحراف والمشكلات الاجتماعية الأخرى، بما في ذلك تعاطي العقاقير. كما أن المشكلات السلوكية المتعلقة بالاحتلال ونقص المتنفسات الصحية وفرص التوظيف أصبحت بادية في المدرسة والمنزل والمجتمع. ومن المواضيع التي تتكرر دائماً في منتديات الشباب عدم توفر الأماكن التي تستجيب إلى احتياجاتهم، بالإضافة إلى انتشار مشاعر العزلة والفقدان. هناك عدد كبير من المؤسسات المتواجدة في القدس الشرقية التي تقدم برامج وأنشطة ذات علاقة بالشباب. بيد أن مشاركة الإناث والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة تبدو منخفضة، مما يؤدي إلى تهميش هذه الفئات. كما أن هناك عدم توازن في الأنشطة حسب العمر. إن غالبية هذه المؤسسات صغيرة الحجم وتتوفر لها بنية تحتية وطاقات محدودة. وهي تركز على الأنشطة الرياضية وليس على الأمور المتعلقة بالمفاهيم والإبداع. كما أن هذه المؤسسات تفتقر إلى نظم المعلومات والإدارة العصرية وتعتمد على المتطوعين والتمويل الخارجي بشكل كبير، مما يجعلها في موقع ضعيف من ناحية القدرة على التعامل مع المحن التي يواجهها الشباب. الصحة: في الوضع السياسي الراهن، تعتبر صناديق المرضى الإسرائيلية الجهات الرئيسية التي تقدم الرعاية الصحية للسكان الفلسطينيين في القدس الشرقية، والذين يدفعون أقساطاً مرتفعة نسبياً مقابل الاشتراك في نظام التأمين الصحي الإلزامي. تتعاقد صناديق المرضى مع حوالي 30-40 مركزاً صحياً في القطاع الخاص لتقديم خدمات الرعاية الأولية للسكان المنضوين في التأمين. وعلى النحو ذاته، تقيم صناديق المرضى تعاقدات مع عدد من المؤسسات الأهلية لتقديم خدمات معينة من الرعاية الصحية الأولية، ومع بعض المستشفيات في القدس الشرقية لتقديم خدمات الرعاية الثانوية. من الأطراف المقدمة للخدمات الصحية الأونروا التي تتولى تقديم الخدمات للاجئين، والقطاع الأهلي الفلسطيني الذي يقدم خدمات رعاية صحية أولية محلية، والجمعيات الخيرية التي تقدم خدمات اختصاص مثل خدمات المستشفيات والتأهيل، والقطاع الخاص الذي يدير عيادات ومختبرات وصيدليات ومستشفيات توليد صغيرة. إن هذه التعددية في الأطراف المقدمة للخدمات، والتي يغلب عليها الطابع العلاجي على حساب الوقائي، وتفتقر إلى الخدمات المختصة والتشخيصية وإلى نظام شامل ومتكامل من الرعاية الأولية والثانوية والمختصة، تخلق العديد من المشكلات البارزة في التنسيق والتكامل والتعاون. ومن المشكلات الرئيسية الأخرى غياب سياسات إدارة الموارد البشرية، والعقبات في الترخيص والاعتماد التي تفرضها إسرائيل، والمنافسة غير العادلة من قبل الأطراف الإسرائيلية المقدمة للخدمات الصحية، والنقص في سياسات وأهداف واضحة للرعاية الصحية، وغياب البحوث بخصوص الكفاءة، والاعتماد العالي على التمويل الخارجي، والضعف النسبي للبنية التحتية. الثقافة والإرث الحضاري: تعتبر القدس مدينة مميزة بالنسبة للديانات التوحيدية الثلاث. وهي عنوان لتاريخ حضارات مختلفة وتعتبر متحفاً معمارياً من الطراز الأول في ظل وجود حضارات ومجموعات عرقية مختلفة. ينبغي أن يكون تفرد المدينة من ناحية الثقافة والإرث الحضاري أحد الاعتبارات الأساسية لأية خطة تنمية قصيرة أو متوسطة المدى للمدينة، بالتركيز على تميزها الطبيعي والإقليمي والدولي. لذلك فإن الاستثمار في قطاع الثقافة والإرث الحضاري يعد أحد الدوافع الرئيسية للتنمية والهوية. لقد أدى غياب التخطيط الاستراتيجي للمدينة إلى عدم توازن في التنمية اتسم بنقص الاعتبار لثقافة المدينة وإرثها الحضاري. كما أن البيئة العامة يسودها النزاع السياسي، حيث تطغى الأجندات والأولويات السياسية على احتياجات المدينة وسكانها الفلسطينيين. وعلى الرغم من احتواء القدس الشرقية على كنوز أثرية هائلة داخل البلدة القديمة وخارجها، إلا أن هذه المواقع في الغالب لا تلقى العناية المناسبة وتتعرض للإهمال والتدني بسبب عوامل الطبيعة و/أو غياب الرقابة على أنشطة السكان، إلى جانب ضعف التخطيط لجلب الاستثمارات ونقص الوعي العام بأهمية الحفاظ على الإرث الحضاري. إن هناك عدداً كبيراً من المباني التاريخية التي تتواجد داخل أسوار البلدة القديمة وخارجها وفي القرى المحيطة، إلا أن الطبيعة تتعرض لتدمير متواصل بسبب الاستخدام المكثف للأرض في ظل تصاعد معدل النمو في المدينة ومحيطها من جهة والنشاط المحموم في بناء المستعمرات الإسرائيلية والبنى التحتية التابعة لها من الجهة المقابلة. تحتوي القدس الشرقية على متاحف عديدة غنية بأرصدتها التاريخية والأثرية المتنوعة. إلا أن غالبية المتاحف القائمة تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية من ناحية البنى التحتية، إلى جانب افتقارها إلى النشر الإعلامي والتسويق المناسبين، وبالتالي فهي تعاني من قلة عدد الزائرين. فضلاً عن ذلك، تضم القدس الشرقية عدداً كبيراً نسبياً من المكتبات الصغيرة الحجم، والتي يعتقد أنها تمثل مجتمعة أكبر وأشمل رصيد من الكتب في فلسطين. كل هذه المكتبات غير حكومية، باستثناء واحدة، وتختص بعضها في ميادين معينة، بما في ذلك حفظ المخطوطات القديمة. إن غالبية المكتبات تعاني من ضعف في البنية المادية والتشغيلية، على الرغم من محتوياتها الفريدة والنادرة. تحتوي القدس الشرقية أيضاً على عدد من المؤسسات الثقافية ذات الصلة بالموسيقى والمسرح والفنون والحرف وغيرها من الأنشطة الثقافية والفنية. إن هذه المؤسسات تعاني من الاختناق بشكل متواصل كما هي حال المنظمات الأخرى المتواجدة في القدس. لقد كانت هذه المؤسسات في السابق في محور تركيز المجتمع الفلسطيني، تقدم التثقيف والترفيه لقطاعات الجمهور القادمة من مختلف أماكن فلسطين. أما الآن فهي تعاني من انخفاض في الإقبال وتضعضع مستوى العوائد من الاستثمار وضعف الاهتمام العام والتراجع المتواصل في البنية التحتية المادية للمسارح والمراكز الثقافية القديمة. لقد أغلقت كل دور السينما أبوابها بعد الانتفاضة الأولى، فنشأت الأجيال الشابة من المقدسيين دون أن تكتسب عادة ارتياد مثل هذه الدور. إن هناك أهمية لدعم التنمية الثقافية في أوساط الشباب بما يساهم في المحافظة على الهوية الثقافية الفلسطينية في المدينة وفي فلسطين ككل، عدا عن أنها تشكل أحد المكونات الاقتصادية المهمة للمدينة. نظام الرفاه الاجتماعي: أفضل ما يمكن أن نصف به نظام التأمين الوطني الإسرائيلي المفروض على كافة سكان القدس بأنه نظام الدفع حال التحصيل، حيث يتم دفع النفقات الجارية من العوائد الجارية. ضمن هذا النظام، من المفترض أن تكون الأسر في القدس الشرقية ضمن فئة المتلقين في المحصلة النهائية لأن دخلهم أقل ولأن لديهم عدداً أكبر من الأطفال. إلا أن الفلسطينيين في العادة يواجهون مشكلات في الوصول إلى الفوائد التي يوفرها هذا النظام. فعدد الطاقم غير كافٍ لضمان معالجة الملفات في الوقت، ويضطر أصحاب المصالح للانتظار لوقت طويل خارج المبنى، ويتعرضون إلى إجراءات بيروقراطية طويلة ومرهقة للغاية. وأحياناً يتم تخفيض الفوائد المستحقة بشكل تعسفي. كما أن الطبيعة السياسية لهذا النظام تجعل استمرار الفوائد للمستقبل أمراً غير أكيد. إن القدس الشرقية تتخلف كثيراً عن القدس الغربية من ناحية خدمات الرفاه التي تقدمها البلدية. فهي تحتوي على ثلاثة مراكز اجتماعية، بالمقارنة مع 20 مركزاً في القدس الغربية، وأربع مكتبات عامة، بالمقارنة مع 36 في القدس الغربية. وفي الواقع فإن مسؤولي البلدية الإسرائيلية، بدلاً من تأدية التزاماتهم تجاه الفلسطينيين، يقومون بإجراءات تنتهك حقوق الفلسطينيين القانونية في القدس الشرقية بتكرار. فالسكان يواجهون صعوبات في الحصول على تراخيص البناء وغيرها. بل كثيراً ما يتم إلغاء إقامة الفلسطينيين في القدس إذا لم يتمكنوا من إثبات أن مركز حياتهم في القدس. وبالتالي فكل فلسطيني مقيم في القدس يشعر بتهديد دائم من أن يتم اقتلاع جذوره من مدينته. يتم سد الفجوات في خدمات الرفاه الاجتماعي إلى حد ما بواسطة عدد كبير من المؤسسات الأهلية العاملة في القدس الشرقية. إن من الصعب الحصول على أرقام دقيقة عن عدد المؤسسات الأهلية بسبب عدم وجود هيئة تنسيقية مميزة ولأن بإمكان المؤسسات الأهلية أن تسجل نفسها إما في فلسطين أو إسرائيل. وفي دراسة أجريت عام 1997، تبين وجود 113 مؤسسة تقدم خدمات الرفاه الاجتماعي في منطقة القدس. ولكن خدمات المؤسسات الأهلية تفتقر إلى نهج موحد أو متناغم أو تعاوني وكثيراً ما تكون معتمدة على المانحين بشكل كبير. ويتوفر لهذه المؤسسات عدد محدود من الكادر المهني وهي تقدم قاعدة خدمات تقليدية، وخاصة للمسنين والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. يعتبر ضمان حصول السكان في القدس الشرقية على حقوقهم من النظام الإسرائيلي من المعضلات الحرجة. لذلك، فينبغي تبني استراتيجية في الرفاه الاجتماعي تركز على التدابير والأنشطة التي تمكن الناس من ممارسة حقوقهم. ودونما أي إنكار لأهمية خدمات المؤسسات الأهلية الأخرى وأنشطتها، يوصى هنا أن يتم التركيز على تقوية المؤسسات النشطة في مجال التوعية (الجماعية) والديمقراطية وحقوق الإنسان، والمؤسسات الأهلية المختصة في الضغط والمشورة القانونية والمناصرة حتى يتم تحقيق نتائج بخصوص قضايا الفلسطينيين المتعلقة بحقوق الإنسان. جدار الفصل العنصري وتأثيراته: في تموز/يوليو 2003، أكملت إسرائيل بناء جدار الفصل العنصري شمال القدس وجنوبها. وفي آب/أغسطس 2003، تمت الموافقة على قطاعين إضافيين على طول الجانب الشرقي للقدس. يرتفع الجدار إلى حوالي ستة إلى ثمانية أمتار. وقد ترك مئات الآلاف من الفلسطينيين الذي يعيشون في الضواحي المحيطة بالقدس الشرقية ويحملون بطاقات هوية مقدسية، مثل أولئك الذين يقطنون الرام وضاحية البريد وحزما وعناتا والعيزرية وأبو ديس والسواحرة الشرقية، تركهم في حالة من الضبابية بشأن مستقبلهم. فالعديد منهم انتقلوا إلى هذه المناطق لأنه لم يسمح لهم بالبناء في القدس الشرقية، ولكنهم لا يزالون يحتفظون بروابط عائلية واجتماعية قوية في المدينة. فأطفالهم يذهبون إلى مدارس القدس الشرقية وتتلقى نسبة كبيرة من هؤلاء الفلسطينيين الخدمات الطبية في مستشفى المقاصد والمطلع وغيرهما من مستشفيات القدس الشرقية، وهم يعملون في القدس الشرقية كتجار أو أصحاب مصالح تجارية أو موظفين. إن جدار الفصل العنصري يتجاهل واقع الفلسطينيين جملة وتفصيلاً بشكل فعلي ويضر بالنسيج الاجتماعي الأساسي للسكان المحليين. إن الآلاف من فلسطينيي القدس الشرقية يعودون للعيش من جديد داخل "الحدود البلدية" للقدس، وخاصة في البلدة القديمة، وذلك نتيجة لأثر الجدار وبسبب مخاطر مصادرة بطاقات هويتهم المقدسية. |